نشهد هذا الأسبوع انطلاق منتدى الإعلام السعودي، وهو حدث مهم جدير بالمتابعة من قبل الإعلاميين فضلًا عن دارسي الصحافة والإعلام في مختلف جامعات المملكة، لفت نظري بشدة موضوع النقاش الرئيس المطروح لهذه الدورة وهو التحول من الصحافة الورقية إلى الرقمية، قضية تشغل غرف الأخبار حول العالم بغير استثناء، وبالفعل قطعت فيها بعض الصحف شوطًا كبيرًا وصارت تقدم للجمهور محتوى مُبهراً بصريًا، تفاعلياً ومعتمداً بشكل شبه كامل على الوسائط المُتعددة، ونشهد ذلك بالتوازي مع أزمة عالمية في صناعة الأوراق وارتفاع أسعاره إضافة إلى تنامي التوجه العالمي لدعم البيئة المحيطة والحفاظ على الموارد ومن بينها آلاف الأطنان من ورق الطباعة عالي الجودة. لكننا بالنظر للشرق الأوسط نجد أن تطبيق تلك السياسات العالمية ومواكبة التطور أمامها عدد من التحديات الكبيرة خاصة مع شرائح من الجمهور شديدة الولاء للنسخة الورقية من صحفهم المفضلة، وجيل من آباء الصناعة شديدي الارتباط بروتين إنتاج الصحيفة الورقية الكلاسيكي.

لا تفوت دقيقة واحدة إلا وصناعة الإعلام تشهد فيه توالد تريند جديد، أو حتى مجرد تغير طفيف، سيكون الأساس في المستقبل لثورة في سلوك الجمهور، يستقبله المهتمون على أنه تمرد وخروج عن المألوف، ثم ما يلبث أن يصبح هو المألوف بعينه، وما عداه هو المستغرب! هذا قدر صناعة قدرها التحولات المُستديمة. فمن كان يدري أن هذا الصندوق الذي سرق ألباب الأسر واستحوذ على اهتمامهم لعقود المسمى بالتلفاز، سيأتي اليوم الذي سيتنحى جانبًا، لتتفوق عليه منصات المشاهدة الإلكترونية. لم يبدُ أبدًا أن هذا الجهاز قد يتراجع يومًا. صحفنا الورقية كذلك، التي ارتبط بها القراء، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من نمط معيشي مرتبط بطبقات اجتماعية بعينها، ومفردة أساسية من يوميات أفرادها، ها هي الآن تعلن وفاتها الإكلينيكية، بتوقعات متفائلة ببقائها على أجهزة التنفس والإنعاش سنوات معدودة لا أكثر. لا ديمومة ها هُنا، إنما العكس هو الواقع، ففي صناعة الإعلام، الجديد هو السيد، والبقاء للأكثر قربًا من المستقبل والأكثر استيعابًا لشفرته، ولا عزاء للراغبين في سِنة من الاستقرار والركون إلى أوضاع ستمتد لأعوام وعقود، دون تطوير من أدواتهم واستباق الزمن.

ورغم إصراري على أن الصفة الجوهرية في صناعة الإعلام عالميًا ومحليًا هذه الأيام هي التحولات العاصفة يومًا بعد يوم، إلا أن الركن الشديد الذي أؤمن أنه ملاذ صناع الإعلام في وضع ملتبس لا تسهل قراءته هو الاستمساك بجودة المحتوى، فمنذ قديم الأزل وآوان شيوخ المهنة، وارتباط الجمهور بالمادة الصحفية قائم بالأساس على جودة الكلمة المكتوبة وحرفية الفقرة المعروضة. ما أود قوله إن الوضع قد يكون داعياً لبعض القلق والحيرة وخصوصاً من الأجيال الأصغر سنًا من أبنائنا طلاب الإعلام، لكن جودة المحتوى لطالما كانت بطاقة رابحة في كافة العصور، ومع اشتداد حدة التحولات، فهو اللغة المشتركة التي يتكلمها الصحفي والقارئ على حد سواء.

نقلاً عن "الرياض"