من بين أهم أدوات القوة الناعمة التي تحرص عليها كل دولة، يأتي الإعلام، الناقل للخبر والمعلومة والفكرة، والقادر على صناعة الصيف وإحلال الشتاء متى يريد. فالإعلام في عصرنا الحاضر بات قوة إقناع معنوية قادرة على توجيه وصناعة الرأي العام، إن صدقاً أو زيفاً. وقد أدرك البعض عمق أهمية الإعلام في زمن وسائط التواصل الاجتماعي، وذهب البعض إلى أنه في زمن الإمبراطورية الرومانية، كان من يعطي الخبز يعطي الشريعة، فالآن من يمسك بأبواق الإذاعات ونواصي التلفزة، عطفاً على الآليات الحديثة من منصات رقمية وإلكترونية، يضحى ومن دون أدنى شك صانع العقول، وبائع الأفكار.
ليس غريباً أو مثيراً أن تهتم المملكة العربية السعودية بالإعلام، وأن تدعو جماعة الصحافيين السعوديين، برعاية خادم الحرمين الملك سلمان، إلى منتدى إعلامي نوعي وكمي هو الأول من نوعه في البلاد، وأن يجيء تحت عنوان «صناعة الإعلام... الفرص والتحديات».
أما انتفاء سبب الغرابة فهو أن خادم الحرمين قد عُرف عنه ومن زمان وزمانين اهتمامه الفائق بالجماعة الإعلامية والصحافة الوطنية، وقد أولاها عطفاً ورعاية بالغين، إيماناً منه بأن الكلمة نور، وأنها فرقان ما بين نبي وبغي.
يمضي اليوم سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بخطى ثابتة وواسعة، في طريق نهضة شاملة، في الطريق إلى «رؤية 2030». ويبقى الإعلام أحد أهم الأجنحة القادرة على حمل المملكة ورسالتها إلى آماد بعيدة جغرافياً وإنسانياً. ومن هنا يضحى دور الإعلاميين وأدوات الإعلام السعودية روافع وحوامل لنقل المملكة إلى المكان والمكانة التي تستحقها بين الأمم.
يأتي منتدى الإعلام السعودي في وقت تكثر فيه الفرص، غير أنه تتصاعد فيه التحديات، وتواجه صناعة الإعلام انعطافات جديدة تعزز من أهمية التجمعات والمنتديات الوازنة في إنتاج فكر جمعي لمواجهة تلك التحديات.
ينطلق المنتدى بمشاركة نحو ألف من الإعلاميين والصحافيين، المفكرين والكتاب، ومن كبار العقول الفاعلة والناجزة على صعيد الحياة العقلية الدولية. والعقل هو محرك زماننا الحاضر، وكلما علا وارتقى شأنه ارتفع صاحبه إلى أعلى عليين.
تفتح المملكة العربية السعودية في أوقاتنا أبوابها أمام أكثر من 32 دولة تشارك في أعمال هذا المنتدى القيم، وفي هذا الانفتاح تعيش وإعلامها حالة من التثاقف مع الآخر. إنه زمن السعودي؛ حيث تنهار الجدران العازلة، وتقام عوضاً عنها جسور التلاقي مع الآخر، وفي هذا استرجاع لعظمة الحضارة العربية والإسلامية، تلك التي أشرقت حول العالم حين قفزت على الدوغمائيات، وتجاوزت الأعراق والعصبيات، وحين قدرت قيمة العقل والعقلاء، ووزنت الكتب بالذهب، وعندما استعانت بالآخر المغاير مذهباً ومعتقداً في ترجمة علوم اليونان إلى العربية، وبنت عليها ومعها نهضتها الخلاقة.
يوماً تلو الآخر تضحى الرياض عاصمة تنويرية بإقدام وشجاعة، إذ إن القابض على التنوير في ذاك البلد الشقيق يدرك وبجلاء الرؤية، أن أفضل طريق لأن نتنبأ بالمستقبل هو أن نصنعه، ولهذا باتت الرياض مركز صناعة القرار السعودي المستقبلي، بمحورية وشراكة إيجابية مع بقية المراكز الحضرية في الخليج العربي والشرق الأوسط، وهذه هي فلسفة الوحدة العربية، دون شعارات تطن أو صيحات تزن.
يوماً تلو الآخر تمضي الرياض لتؤكد حضورها كعاصمة لها رمزيتها الروحية والإيمانية، وبالقدر ذاته تكتسب مساحة حوارية تدفع في إطار التسامح والتعايش المشترك بين الشرق والغرب، وهذا ما يرصده القاصي والداني.
يصعب أن يحيط المرء في مساحة محدودة بأبعاد الحدث المتميز والشيق، لا سيما وأن القراءات التي تطرح عبر أروقته، والنقاشات التي تدور من حول موائده، على مستوى عالٍ من الحرفية والرقي معاً. خذ إليك على سبيل المثال المحور الذي يتناول مسألة الإعلام الحديث، أي ذلك المغاير للقوالب النمطية التي سادت وبادت خلال أربعة عقود خلت.
المحور المشار إليه يسائل الحضور ويشاغب العقول حول هذا النموذج الجديد من الإعلام، وهل هو مثالي خلاق، مبدع مجدد، أم أننا إزاء قالب شكلي جديد في حين تبقى الممارسات القديمة باقية والعقول متحجرة من حوله؟
المملكة تسعى اليوم لتكون حجر زاوية سلام في منطقة الخليج العربي، ولهذا تفرد مساحة عريضة من الحوارات للإعلام الذي يجبر القلوب ويصنع السلام، إعلام المودات لا إعلام الزيف والمكائد السياسية. وقد عانت المنطقة طويلاً، لا سيما في الأعوام الأخيرة من أبواق الإثم، التي ترسخ الكراهية وتعمق الخصام، وفي هذا تغير نوعي لم تشهده أي مؤتمرات إعلامية في المنطقة من قبل.
أضف إلى ما تقدم بعداً آخر له جزالته الأدبية، وهو البحث فيما ورائيات التوازن بين المصالح السياسية من جهة، وأصول الأخلاقيات العالمية في التعاطي الإعلامي مع الآخر.
يأتي منتدى الإعلام السعودي استشرافياً بدرجة كبيرة، إذ لا يكتفي بمناقشة الواقع المعاصر؛ لكنه يتجاوز إلى ما هو أبعد، مثل الطفرة الرقمية في مجال الاتصال، والبحث في جزئية مستقبل الذكاء الصناعي وتقاطعاته وتشارعاته مع الإعلام المعاصر.
ولعل الجزئية الأكثر أهمية في المنتدى إنما تدور من حول تعظيم أهمية رأس المال البشري في البيئة الجديدة للإعلام، واعتبار الإعلامي هو سويداء القلب من أي تطوير وتحديث.
يجيء المؤتمر مع إعلان المملكة رئاستها لقمة العشرين، ما يعني تهيئة الأجواء للفرص الواعدة والأدوار الرسمية والشعبية التي يمكن للإعلام تبنيها والوفاء بها، للمساهمة في تحقيق المقاصد الوطنية الكلية لهذه الفرصة الذهبية.
إنها انطلاقة الفينيق السعودي مرة، وإلى ما شاء الله.