سمعت مثلما سمعتم عن منتدى الإعلام السعودي، والاسم يشي بأشياء تدعو للتفاؤل، فكلمة منتدى تدل على أن جمعا من الناس قد اجتمعوا يتحدثون في أمر ما، والاجتماع خير من الفرقة، وجملة الإعلام السعودي تدل على عدة أمور، أولها وهذا هو الأمر المطمئن والباعث على السرور أنه يوجد إعلام سعودي، فلا يوجد ـ على حد علمي ـ أسماء تطلق على أشياء غير موجودة. وثانيها أن المجتمعين يتحدثون عن الإعلام السعودي.

الأمر الآخر الذي أبهجني بخصوص هذا المنتدى هو أنه لم يكن في اسمه عبارة «بين الواقع والمأمول»، وهي العبارة التي كنت أعتقد أنها أحد أركان إقامة المؤتمرات والندوات والتي لا تصح بدونها.

وقد حرصت ـ ليس كثيرا ـ بحكم أني أحد المنتمين للإعلام ـ أو هكذا أظن ـ على معرفة ما يدور في أروقة هذا المنتدى، وسمعت بعض الكلمات والخطب، وفاتني بعضها لانشغالي بمتابعة مباريات كرة القدم، أو باللعب مع صغاري في «حوشنا» ابتهاجا بالأجواء الجميلة والأمطار المنتظرة.

ومع أني ركزت في الكلمات والمحاضرات التي سمعت لكن لدي قاعدة أطبقها على مثل هذه التجمعات وتفسد عليّ متعة الاستمتاع بها، وهي أن الكلام الجميل هو الكلام الذي لا أتوقعه، أما الأشياء المتوقعة والكلمات المكررة فإنها لا تشدني كثيرا.

وقد قيل كثيرا إن مشكلة الإعلام السعودي ليست في الورق ولا في الإعلام الجديد ولا في ظهور وسائل التواصل، الأمر لا يتعلق بالوعاء بقدر ما يتعلق بالمحتوى نفسه، وأن معضلة الإعلام هي سقف الحرية الذي لا يكاد يفصله عن قاعها فاصل، بدون مساحة معقولة من الحرية يصعب حتى على المؤتمرين في منتدى الإعلام أن يناقشوا مشاكل الإعلام، ناهيك عن غيره من المشكلات، بل إني أتوقع أن مجرد قولي إن هناك مشكلات أخرى يجعلني مشبوها في نظر البعض.

وبالطبع فإني لا أتحدث عن حرية مطلقة، فهذه غير موجودة في أي مكان، ولكني أحلم الآن على الأقل بأن يستطيع الكاتب أو الإعلامي أو الفنان أن يمشي واقفا تحت سقف الحرية حتى لا ينكسر ظهره لكثرة خوفه من اصطدام رأسه بالسقف الموجود. يصعب أن يصدق العالم إعلامنا ونحن لا نصدقه، أو فلنقل لا نثق به كثيرا.

النقطة الأخرى التي لاحظتها فيما شاهدته في هذا الملتقى وفي غيره من الملتقيات المشابهة هو التركيز المفرط على أن الغاية من وجود الإعلام في الحياة هي شرح ما تريده الحكومة، وتوضيحه للعالمين، وأظن أن هذا ليس إعلاما، ولكنه شيء يخص العلاقات العامة، ويكفي أن تصدر نشرة يومية من كل جهة حكومية، ويصبح المتحدثون الرسميون هم رؤساء تحرير كل شيء، ويستغنى عن الصحف والقنوات لأنها بهذا الوضع مجرد وسيلة لعرض ذلك المحتوى المعد سلفا.

الصحافة الحقيقية مهمتها ـ ظاهريا على الأقل ـ هي العكس تماما، وهي نقل ما يريده الناس وما يفكرون فيه إلى الحكومة، وأظن أن طريقا في اتجاهين ينقل من الحكومة للناس ومن الناس للحكومة سيكون طريقا رائعا.

وعلى أي حال..

من باب الإنصاف القول بأن الحديث عن مدينة إعلامية إن كان يعني أن القنوات المهاجرة ستعود إلى السعودية وتبث من داخلها فإنه أمر رائع وخطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لأنه وحسب علمي لا يوجد دولة في العالم تعتمد على إعلام يبث من خارج حدودها، ولا بد من تصحيح هذا الوضع الغريب.