بينة الملحم

 

حينما أبحرت القنوات الفضائية في محيط الإنترنت أصبح بإمكان الإنسان العادي أن يكون شريكاً في اتحاف القنوات بمددٍ من الصور والمشاركات والتسجيلات التي لا يمكن للمراسلين اقتناصها، لأن الأحداث تحتفظ دائماً بهامش "المشهد اللحظي" الذي لا يمكن للمراسل أن يكون مستعداً لالتقاطه..

لعلّ الحدث الإعلامي الأبرز وعلى مستوى المنطقة يُجيّر لصالح منتدى الإعلام السعودي الذي عُقد على مدى يومين 2-3 ديسمبر 2019م في العاصمة الرياض واتجهت أنظار الجميع نحوها.

المنتدى الإعلامي السعودي الذي تأخر كثيراً في تحويل أمنية الكثير أن يكون واقعاً مقاماً على أرض المملكة وعلى غِرار فعاليات إعلامية مقاربة كان السعوديون من إعلاميين أو أكاديميين متخصصين أو حتى مهتمين فيها يشدون الرحال إليها ويتجشمون عناء السفر تطلعاً لحضورها بصرف النظر عن مدى جودة محتوى تلك الفعاليات أو جدواها كانت المفارقة العجيبة أن الشأن السعودي والحضور السعودي والمشاركة السعودية تحتل السواد الأعظم في عموم تلك الفعاليات التي تقام خارج حدود المملكة أو في دول أخرى سواء أكانت صديقة أم عدا ذلك.

وبصرف النظر عن مدى الأعداد الغفيرة التي شهدت المنتدى في نسخته الأولى وبصرف النظر عن قوة الأسماء المشاركة والمتحدثة سواء السعودية أو من كل أقطار العالم ومدى التفاعل الجماهيري والتغذية الراجعة التي جناها المشاركون والحضور سواء الواقعيين أو حتى الافتراضيين نداً بند وبصرف النظر عن حيوية موضوعات المنتدى ومواكبتها للتطورات والتحولات الإعلامية تأتي أهميته أنه يتجاوز الهدف القصير المدى المتمثل في تشكيله مرحلة تحول في صناعة الإعلام المحلي إلى صناعة إعلام المنطقة برمّتها.

ومن أكثر ما يلفت النظر دون ذلك كله أيضاً عدم اقتصار الحضور الجماهيري على الإعلاميين الممارسين أو المتخصصين أو حتى المهتمين بل ستجد من بين الجمهور الغفير الذي حرص على حضور برنامج المنتدى وفعالياته أشخاصاً أو أناساً عاديين ومن مختلف الأعمار والفئات الظاهرة التي تؤكد أن شكل علاقة الإعلام بالمجتمع لم تعد كما كانت أو عُهد عنها علاقة مرسل ومتلقٍ أو مجرد أن يكون الإعلام وسيلة للترف أو الترفيه، خاصة في زمن قد تداخلت فيه الوسائل الإعلامية بين بعضها البعض، فبات الإنترنت مكمّلاً للقنوات الفضائية ولم يعد منفصلاً أو منافساً؛ ذلك أن التحالف بين القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي ساهم في تفكيك الحدود التي كانت مسيّجة بين الإعلام الفضائي والإعلام الإلكتروني، لنصل إلى مفهوم "الإعلام الجديد".

كل تلك الخضة الإعلامية غيرت جذرياً من علاقة المجتمع بالإعلام وبكافة وسائله الفضائية والإنترنتية، وخففت من السلطات الثقافية والفكرية والعلمية، وبإمكان أي إنسانٍ أن يمتلك قناته الخاصة به ويديرها من خلال جهازه الجوال ويشرف عليها بنفسه طوال الوقت، أو بإمكان أي شخص آتٍ يؤسس صفحةً يعبر من خلالها عن أفكاره، وبإمكانه أن يكتب كل ما يريد من مشاعر أو خلجات أو آراء سياسية أو فكرية أو دينية أو رياضية، من دون تزكيةٍ من أحد أو تفويضٍ من أحد، يكتب رأيه مهما كان مستوى علمه أو جهله، لأنها المساحة الجديدة التي منحتها التقنية للمجتمع كله.

عليه نجد أن علاقة الوسائل الإعلامية بالإنترنت مثل علاقة السفينة بمحيطها؛ حينما أبحرت القنوات الفضائية في محيط الإنترنت أصبح بإمكان الإنسان العادي أن يكون شريكاً في إتحاف القنوات بمددٍ من الصور والمشاركات والتسجيلات التي لا يمكن للمراسلين اقتناصها، لأن الأحداث تحتفظ دائماً بهامش "المشهد اللحظي" الذي لا يمكن للمراسل أن يكون مستعداً لالتقاطه، لكن الفرد العادي يمكنه أن يصوره لتسير به الركبان، هذا التزاوج بين المجتمع وبقية أذرعة الإعلام من أكبر ما لاحظه المتابع منذ مدة طويلة لكنه برز كملاحظة أساسية في كثير من الأحداث السياسية أو حتى الاجتماعية الاعتيادية والتي قد تحصل كل يوم ولا أحد قد يعلم عنها فكم من قضية تعنيف على سبيل المثال أو حادثة جُرّمت وحوكمت فيما بعد قد التقطتها عدسة مواطن عادي أو سجلت المشهد فتلقفتها بقية وسائل الإعلام فغدت بذلك كعين سلطة يمتلكها كل فرد أو مواطن.

وكما أطلقوا على "الإنترنت" في تعريبه مصطلح "الشبكة العنكبوتية" لكننا اليوم أمام "الشبكة الإعلامية" حيث تداخلت منابع الإعلام مع بعضها ولم تعد منفصلةً كما هي الحال من قبل، اليوم تستخدم "النشرات الجوية" خرائط "قوقل" وتستعين الأخبار بـ "اليوتيوب" وتأخذ برامج الاتصالات مشاركات من المشاهدين على "سكايبي" هذا التداخل النوعي بين وسائل الإعلام رأيناه جلياً في أحداث كثيرة حتى الصحف استعانت بصورٍ التقطتها أجهزة الجوال الشخصية، وهذا انتصار لإعلام "الفرد" على "إعلام الأيديولوجيا" والذي أتمنى أن يكون موضوعاً لنسخة المنتدى الثانية القادمة.